نصر حامد أبو زيد

222

الاتجاه العقلي في التفسير

والذي يدلّ على صحة ذلك أن كثيرا من الجن والانس يموت قبل أن يبلغ حدّ التكليف والعبادة وصار هذا كقوله : لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ وأراد البعض لا الكل لأن منهم من مات قبل الدخول وقتل قبل الدخول » 255 بمعنى أن الآية لا تعمّ بمنطوقها جميع المكلفين ، بل بعضهم فحسب . وبعبارة أخرى لا تدل الآية عند الباقلاني - على أن اللّه قد أراد العبادة من جميع الخلق ، بل أرادها من بعضهم فقط « ويدل عليه أيضا قوله تعالى : وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وهم الذين لم يرد أن يطيعوه فاعلم ذلك » 256 والباقلاني - إلى جانب تأويله السابق لدليل المعتزلة - يطرح دليلا للأشاعرة من القرآن يدل بظاهره على ما يذهبون إليه من جانب ويخصص عموم الآية التي يستدل بها المعتزلة من جانب آخر . وفي الرد على تأويل الأشاعرة ، يسلّم القاضي عبد الجبار بأن الآية لا تعمّ جميع الخلق لأن « المجنون ومن لم يبلغ هذا الحد ، فلا يجوز دخوله في الكلام ، لأنه يتضمن أنه أراد العبادة ممن تصح منه » 257 ، ولكنه من جهة أخرى لا يسلّم بأن اللّه يريد معصية من عصى . ومن ثم يتصدّى لتأويل الآية التي استشهد بها الباقلاني وكذلك غيرها من الآيات التي تسند إلى اللّه الإضلال أو إرادة الكفر « وذلك لأن الآية التي اعتمدنا عليها ، المراد بها حقيقتها ، وسائر ما أوردته مجاز ، لأن قوله تعالى : وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ دخلت اللام على ما لا يصح أن يكون مرادا منه ، لأنه إنما يراد منه الكفر أو الايمان ، دون نفس جهنم . فعلم بذلك أن المراد بهذه اللام العاقبة ، وأنه أراد بذلك : أنّى قد ذرأتهم ، وعلمت أن مصيرهم جهنم ، كقوله تعالى : فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً ومعلوم من حالهم أنهم التقطوه لتقرّ أعينهم به ، لكن مصيره لمّا كان إلى معاداتهم جاز أن يقال ذلك » 258 . ويعتمد هذا التأويل على التفرقة بين معنى اللامين في الآيتين ، فاللام في الآية التي يستدل بها المعتزلة هي لام الغرض التي هي بمعنى لكي ، أمّا اللام في دليل الأشاعرة فهي لام العاقبة . ومعنى ذلك أن اللّه لم يشأ دخولهم جهنم ، وإنما هم دخلوها بعملهم . واستشهاد القاضي بمثال من القرآن على لام العاقبة يعدّ دليلا آخر يقوي تأويله للآية التي يستشهد بها الخصوم . واعتبار القاضي أن الآيات التي يستشهد بها الخصوم مجاز يؤكّد ما ذهبنا إليه من أن المجاز تحوّل إلى وسيلة تأويلية لرفع التناقض الظاهري بين آيات القرآن الكريم . وبنفس الطريقة يتأوّل القاضي كل الآيات التي يستدل بها الأشاعرة « وقوله تعالى : إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً و يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا يقارب تأويله ما